تشهد إيران واحدة من أسوأ أزماتها النقدية منذ سنوات، بعدما تجاوز سعر الدولار في السوق غير الرسمية عتبة 1,42 إلى 1,45 مليون ريال، مع هبوط بأكثر من 7٪ في يوم واحد فقط، بينما لا يزال السعر الرسمي قريبًا من 42 ألف ريال للدولار، ما يعمّق الفجوة بين القيمتين ويُضعف ثقة الشارع في السياسة النقدية والاقتصادية. هذا الانهيار المتسارع يرتبط بعوامل متداخلة، في مقدمتها العقوبات الأميركية الجديدة، وتضخم يفوق 50٪، وضعف تدفقات الدولار نحو السوق الإيرانية، إلى جانب حالة عدم اليقين السياسي التي تغذي الترقب والقلق.
انعكست هذه الأزمة مباشرة على حياة المواطنين، إذ قفزت أسعار المواد الأساسية بنسب صادمة؛ فأسعار المواد الغذائية ارتفعت خلال سنة واحدة بنحو 72٪، فيما زادت أسعار الأدوية بحوالي 50٪، ما جعل القدرة الشرائية لفئات واسعة من الإيرانيين تتآكل بسرعة، وحوّل كل ارتفاع جديد في سعر الصرف إلى ضربة موجعة للطبقات الوسطى والفقيرة. في هذا السياق، لم يعد انهيار الريال مجرّد مؤشر مالي تقني، بل تحول في الوعي العام إلى عنوان لأزمة بنيوية تمس تسيير الاقتصاد والموارد والعلاقة بين الدولة والمجتمع.
أمام هذا الوضع، خرج آلاف الإيرانيين في طهران، لليوم الثاني على التوالي، إلى الشوارع في احتجاجات شارك فيها أساسًا تجار وأصحاب محلات أغلقوا متاجرهم وقطعوا بعض الطرق، ودعوا المواطنين إلى الانضمام إلى إضراب عام. جزء من بازار طهران انضم بدوره إلى الحركة الاحتجاجية، في مشهد يعيد إلى الأذهان الدور التقليدي للتجار والباعة في تحريك الشارع الإيراني خلال لحظات التوتر السياسي والاقتصادي. اللافت أن بعض الشعارات طالبت بعودة الشاه، في تعبير حاد عن مستوى السخط على الوضع الحالي ورغبة محتجين في توجيه رسالة سياسية تتجاوز المطالب المعيشية المباشرة.
تعاملت السلطات مع هذه التحركات بأساليب أمنية مألوفة، إذ استُخدم الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه لتفريق المتظاهرين، مع صدور تحذيرات رسمية صارمة من مغبة النزول إلى الشارع. مسؤولو الداخلية تحدثوا عن عوامل «نفسية» وراء تقلبات العملة، داعين الإيرانيين إلى «الصبر والتعاون» وعدم الانجرار لما يصفونه بـ«استفزازات الأعداء»، في حين شدد رئيس السلطة القضائية على أن من يتجاهل هذه التحذيرات يجب أن يُلاحَق ويُعاقَب. وفي ظل هذا الخطاب، تبدو الهوة آخذة في الاتساع بين رواية رسمية تقلّل من عمق الأزمة وتختزلها في «حرب نفسية»، وواقع اقتصادي‑اجتماعي يشعر فيه المواطن بأن كل يوم يمرّ يعني المزيد من الفقر وفقدان الأمل، على إيقاع عملة تتهاوى وشارع يغلي.